المقريزي

208

المقفى الكبير

له استعطافا لئلّا يريه أنّه وجد من كلامه ، فلم يعره طرفه ودخل ، فانصرف اليازوري ، ولقيه القاضي أبو عبد اللّه محمد بن سلامة القضاعيّ خليفة قاضي القضاة فقال له : يا أبا محمّد ، قد كان يجب أن لا تريه وجهك عقيب ما جرى لك معه اليوم . ثمّ انصرف عن القضاعيّ وأقبل على أبي عبد اللّه أحمد بن محمد بن أبي زكريا خليفة قاضي القضاة فخاطبه بأجفى من خطاب القضاعيّ له ، فتركه وقد عظم همّه . [ . . . بتوسّط القائد رفق ] ووافى منزله فوجد [ أن ] قد حضر إليه من ضياعه ثلاثون حملا من التفّاح لتباع بمصر ، فأنفذ منها خمسة أحمال إلى الوزير الفلاحيّ ، وبعث لقاضي القضاة خمسة أحمال ، وللقائد الأجلّ عدّة الدولة رفق خمسة أحمال ، وفرّق حملين على حواشيهم . وكان ثمن هذه الأحمال يبلغ جملة « 1 » ثلاثمائة دينار . فلم يلتفت أحد منهم إليه ولا عطف عليه [ ما خلا القائد الأجلّ عدّة الدولة رفق ، فإنّه شكره وأثنى عليه ] « 2 » . [ . . . ] ولا تقدّم منّا إليه من الجميل ما يوجب أن يكافئنا عليه ، وهذا رجل حرّ له مروءة توجب أن نصطنعه ونحقّق حسن ظنّه بنا . وركب اليازوريّ من الغد ووقف عند باب البحر ، فلمّا أقبل رفق من داره يريد القصر ، تلقّاه وسلّم عليه . فأكرمه ورحّب به وسأله عن حاله ، ثمّ دخل إلى القصر وقضى حقّ الخدمة ، وخرج فوجده واقفا على حاله . فسلّم عليه ، وسار معه إلى داره حتّى وصل إليها ، فانثنى اليازوريّ راجعا ، وأقام على ذلك أيّاما . فخفّ على قلب رفق ، وقويت رغبته في اصطناعه . وصار إذا وصل إلى داره أمر اليازوريّ بالنزول معه ، فينزل ويجلس معه ويحادثه ، وكان حلو الحديث فكه المحاضرة . فأطال جلوسه معه . وبقي رفق إذا غاب عنه يشتاق إليه ، وإذا همّ بالقيام عنه أمسكه إلى أن تحضر المائدة ، وأكثر منه حتّى عدّ من خواصّه . ولمّا ضجرت أمّ المستنصر من عرض خدمتها على أبي نصر إبراهيم « 3 » أخي أبي سعد سهل التستريّ ، وامتناعه ، حتّى وقفت أمور خدمتها وبقي بابها مغلوقا مدّة ثلاثة أشهر ، قال رفق في بعض الأيّام لليازوري ، وقد أفضى به الحديث إلى كثرة رغبة السيّدة أمّ الخليفة في أبي نصر وامتناعه : إنّي أرى رأيا ، فما عندك فيه ؟ قال اليازوريّ : ما هو ؟ قال : تكتب رقعة تلتمس خدمة السيّدة وتعرض نفسك عليها . فقال له اليازوريّ : كنت أظنّ جميل رأيك فيّ وإيثارك مصلحة حالي ، فأكذبني ظنّي . فقال : بماذا ؟ قال : لهزئك بي ، فإنّي قد اجتهدت في العود إلى قرية كنت فيها فبخل عليّ بها . فكيف إذا تعرّضت لهذا الأمر الكبير ومناوأة الوزراء ؟ فقال له : أما ترضى بي سفيرا لك في هذا الأمر وعلى استفراغ الوسع لوجوب حقّك عليّ ؟ فإن قضت الأقدار ببلوغ الغرض في ذلك ، فقد أدركنا ما نؤثره ، وإن تكن الأخرى ، فعلى أكثر من العطلة ما نحصل « 4 » .

--> ( 1 ) قراءة تخمينيّة . ( 2 ) زيادة من الاتّعاظ 2 / 199 ، وهي لا تسدّ الثغرة . ( 3 ) أبو نصر التستريّ ( ت 440 ) : مرّت ترجمته برقم 297 . ( 4 ) في الاتّعاظ 2 / 199 : فقد أكثر من العطلة ما تحصّل . -